اليمن.. “الاتقسامات” تضع الجنوب أمام مرحلة حاسمة

يشهد اليمن تصاعدا عسكريا كسر الهدنة الموقعة سنة 2022 بين جماعة الحوثيين في صنعاء، والحكومة المعترف بها دوليا والموالية للمملكة العربية السعودية سط احتقان في ما يسمى بملف الجنوب.
أعلن الحوثيون الأربعاء استهداف ناقلة نفط سعودية قبالة سواحل ينبع في البحر الأحمر حيث يقع أحد الموانئ الرئيسية لتصدير النفط السعودي وذلك في إطار ما أعلنته الجماعة من “حصار بحري” ضد المملكة منذ أسبوعين.
وقالت الجماعة المدعومة من إيران إنها ستصعّد من عملياتها في شمال البحر الأحمر، مع تغيير الناقلات لمسارها إثر تنفيذ عناصرها هجمات على سفن سعودية في المنطقة خلال الأيام الماضية.
ووسط هذه التطورات، فجّر قرار التعديل الوزاري المحدود الذي أصدره رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، أزمة خلافات داخلية، بين أعضاء المجلس، لم تُحسم بعد، رغم مرور أسبوعين، ليكشف ذلك حجم الانقسام والتباينات الحادة التي يمكن أن تعصف بأعلى هرم الدولة الشرعية.
وبحسب مراقبين، تكشف هذه التطورات عن تراجع قدرة رئيس المجلس على إدارة التوازنات بين الأعضاء. فرشاد العليمي يجد نفسه أمام مطالب متعارضة من شركائه، وفي الوقت نفسه يحاول الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك داخل المجلس. إلا أن استمرار الخلافات يجعل مساحة المناورة أمامه تضيق تدريجياً، خصوصاً إذا كانت كل خطوة يتخذها تثير اعتراض طرف آخر.
أزمة في توقيت حاسم
صحيفة يمن مونيتور تقول إن الأزمة داخل المجلس الرئاسي إلى 23 يوليو/تموز الماضي، جاءت “عقب صدور قرار جمهوري يقضي بتعيين أفراح الزوبة وزيرة للخارجية، قادمة من وزارة التخطيط، كما قضت القرارات بتعيين بدر باسلمة في التخطيط قادماً من الإدارة المحلية، ونقل عهد جعسوس من وزيرة دولة لشؤون المرأة إلى الإدارة المحلية.”
وتشير التطورات المتسارعة إلى “أن أزمة القرارات الأخيرة لم تعد مجرد اعتراض على أسماء وزراء أو الحقائب المسندة إليهم، بل تطورت إلى أزمة موجودة داخل المجلس الذي يجمع ثمانية أعضاء وهو العدد الذي يصعب ايجاد حالة توافق دائم داخل هذا الكم الكبير في قيادة بلد يخوض حربا مصيرية بحسب مراقبين، ويعترض على القرارات الأخيرة، طارق صالح، وعبدالرحمن المحرمي، وبدرجة أقل عبدالله العليمي، وعثمان مجلي، بينما، قرر الثلاث الاعضاء الأخرين، سلطان العرادة، وسالم الخنبشي، ومحمود الصبيحي الصمت.”
وتصاعدت الخلافات داخل المجلس، “مع إعلان وزير التخطيط استقالته، الجمعة 31 يوليو، وصدور القرار الجمهوري اليوم الأحد 2 أغسطس/ آب الحالي الذي قضى بتعديل القرار الجمهوري بشأن إجراء تعديل وزاري محدود في الحكومة، واستمرار الدكتورة عهد محمد سالم جعسوس في شغل منصب وزير دولة لشؤون المرأة، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء.” حسب ذات المصدر.
ويقول الأكاديمي والسياسي الدكتور عمر ردمان في السياق: “متابعة اجتماعات وقرارات مجلس القيادة خلال الأيام الأخيرة تكشف لنا أن هنالك فجوة كبيرة بين قيادة الدولة وبين تطلعات المواطنين، وفجوة أكبر بين اهتماماتهم وبين ما توفره التطورات الإقليمية والدولية من فرص لصالح القضية المركزية اليمنية.”
واعتبر الدكتور علي البحر “أن أولوية الشارع تتجاوز التعيينات الذاتية مؤكداً أن المرحلة تحتاج إلى التوافق وليس التنافس، وأضاف: “في الوقت الذي تشتعل فيه الجبهات بالمواجهات مع المليشيات الحوثية، وتتفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية والمعيشية، ينتظر المواطن قرارات تعزز الاستقرار، وتخفف معاناته، وليس تعيينات وتدوير المناصب وفق الأهواء الشخصية.”
مزيد من الانقسام على الأرجح
وفي سياق متصل، ترى صحيفة “عرب جورنال”، أنه “وفي الوقت نفسه، تشير المعلومات المتداولة بشأن احتمال تغيير مدير مكتب الرئاسة، الدكتور يحيى الشعيبي، إلى أن الخلافات لا تقتصر على شخص واحد، وإنما تشمل هيكل الإدارة المحيط برئيس المجلس. كما أن الضغوط التي يمارسها بقية أعضاء المجلس على رشاد العليمي لإجراء هذه التغييرات توحي بأن الصراع بات يدور أيضاً حول من يملك النفوذ داخل مؤسسة الرئاسة، ومن يتحكم في القرارات الإدارية والسياسية.”
ويبدو أن السعودية حسب الصحيفة، ” تدرك خطورة هذا الوضع، وهو ما يفسر الحديث عن محاولات لاحتواء الخلافات ومنع تحولها إلى أزمة أكبر. فالرياض تنظر إلى مجلس القيادة باعتباره الإطار السياسي الذي تعتمد عليه في إدارة المناطق الخاضعة لحكومة عدن، وأي تصدع كبير داخله قد ينعكس على الوضع الأمني والعسكري، ويضعف قدرة الحكومة على إدارة المحافظات الواقعة تحت سيطرتها.”وتابعت: ” لكن في المقابل، لا تبدو الوساطات السعودية قادرة على معالجة جذور الأزمة. فالمشكلة لا ترتبط فقط بأسماء المسؤولين أو المناصب، بل بطبيعة المجلس نفسه، الذي يضم قوى متعددة تمتلك مشاريع ومصالح مختلفة، وبعضها يتنافس على النفوذ داخل المؤسسات الحكومية وعلى إدارة الموارد ومراكز القرار.”
وأشارت إلى أن “أي تسوية قد تؤدي إلى تهدئة مؤقتة، لكنها لن تنهي أسباب الخلاف. فكل تغيير إداري قد يفتح باباً لخلاف جديد، وكل تعيين قد يثير اعتراض طرف آخر، ما يعني أن حالة التجاذب مرشحة للاستمرار ما لم يتم التوصل إلى آلية واضحة لتوزيع الصلاحيات وحسم الخلافات داخل المجلس.
تصعيد شعبي
ومع الخلافات التي هزت الحكومة المقيمة في الرياض، ينظم الجنوبيون بشكل يومي مظاهرات ضد الوجود السعودي، معتبرين أن المملكة فشلت في توفير أدنى الخدمات العمومية.
ويندد الجنوبيون، باستمرار الوصاية السعودية على القرار في المحافظات الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان والاحتلال، مطالبين بإنهاء التدخلات الخارجية التي قالوا إنها تقف وراء تعطيل مؤسسات الدولة وإبقاء الأوضاع في حالة من الفوضى والانهيار، مؤكدين أن أبناء تلك المحافظات المحتلة باتوا يواجهون ظروفاً معيشية قاسية في مختلف القطاعات.
ويشدد المعتصمون في الشوارع، على “أن استمرار انهيار الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب التدهور الحاد في قيمة العملة وارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية، يثبت حجم الفشل الذي تعيشه المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، في ظل عجز الجهات التابعة لتحالف العدوان عن تقديم أي حلول حقيقية تخفف من معاناة السكان.”
ويتهم هؤلاء، السعودية بإدارة ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية تستهدف إضعاف القرار الجنوبي، ودعو ا المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في آلية إدارة الملف اليمني، محذرين من أن استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية قد يدفع إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي فضل الجعدي: “يقف الناس في عدن طوابير طويلة مضنية للحصول على أسطوانة غاز منزلي، وطوابير أخرى لشراء الثلج لانقطاع الكهرباء لساعات طويلة في مدينة كانت من أوائل المدن التي عرفت خدمة الكهرباء.”
وأضاف في تغريدة: “ظننا أن السلطات ستتحرك بجدية لوضع حد لهذه المعاناة المتكررة، لكن خاب الظن، وبقيت الوعود مجرد كلام.









